ابن كثير
267
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء . فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وهو بنخلة عامدا إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر ، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا : هذا واللّه الذي حال بينكم وبين خبر السماء ، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم قالوا يا قومنا إِنَّا سَمِعْنا قُرْآناً عَجَباً يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَداً [ الجن : 1 ] وأنزل اللّه على نبيه صلى اللّه عليه وسلم قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ « 1 » [ الجن : 1 ] وإنما أوحي إليه قول الجن رواه البخاري عن مسدد بنحوه ، وأخرجه مسلم عن شيبان بن فروخ عن أبي عوانة به ، ورواه الترمذي والنسائي في التفسير من حديث أبي عوانة . وقال الإمام أحمد « 2 » أيضا : حدثنا أبو أحمد ، حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : كان الجن يستمعون الوحي فيسمعون الكلمة فيزيدون فيها عشرا ، فيكون ما سمعوا حقا وما زادوا باطلا ، وكانت النجوم لا يرمى بها قبل ذلك ، فلما بعث رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان أحدهم لا يأتي مقعده إلا رمي بشهاب يحرق ما أصاب ، فشكوا ذلك إلى إبليس فقال : ما هذا إلا من أمر قد حدث ، فبث جنوده فإذا بالنبي صلى اللّه عليه وسلم يصلي بين جبلي نخلة ، فأتوه فأخبروه فقال : هذا الحدث الذي حدث في الأرض « 3 » ، ورواه الترمذي والنسائي في كتابي التفسير من سننيهما من حديث إسرائيل به ، وقال الترمذي : حسن صحيح ، وهكذا رواه أيوب عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، وكذا رواه العوفي عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أيضا بمثل هذا السياق بطوله ، وهكذا قال الحسن البصري إنه عليه السلام ما شعر بأمرهم حتى أنزل اللّه تعالى عليه بخبرهم . وذكر محمد بن إسحاق عن يزيد بن رومان عن محمد بن كعب القرظي قصة خروج النبي صلى اللّه عليه وسلم إلى الطائف ودعائه إياهم إلى اللّه عز وجل وإبائهم عليه ، فذكر القصة بطولها وأورد ذلك الدعاء الحسن « اللهم إليك أشكو ضعف قوتي وقلة حيلتي وهواني على الناس يا أرحم الراحمين أنت أرحم الراحمين وأنت رب المستضعفين ، وأنت ربي إلى من تكلني ؟ إلى عدو يتجهمني أم إلى صديق قريب ملكته أمري ، إن لم يكن بك غضب علي فلا أبالي غير أن عافيتك أوسع لي ، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن ينزل بي غضبك أو يحل بي سخطك ، ولك العتبى حتى ترضى ولا حول ولا قوة إلا بك » . قال : فلما انصرف عنهم بات بنخلة فقرأ تلك الليلة من القرآن فاستمعه الجن من أهل
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في الأذان باب 105 ، وتفسير سورة 72 باب 1 ، ومسلم في الصلاة حديث 149 ، والترمذي في تفسير سورة 72 ، باب 1 . ( 2 ) المسند 1 / 274 . ( 3 ) أخرجه الترمذي في تفسير سورة 72 ، باب 2 .